أمس على شاطئ البحر الميت، تمّ الاعلان عن اطلاق دراسة الجدوى لمشروع قناة البحرين (الأحمر–الميت) في ختام مؤتمر الممولين للدراسة. اخيرا نحن امام خطوة عملية في مسيرة صعبة لإنجاز المشروع الأضخم والأهم في حياة الأردن. والمشروع تصل كلفته التقديرية الى حوالي 3 بلايين دولار، يفترض الحصول على ثلثها من خلال قروض والثلثين الباقيين تنفذ بطريقة الـ(B.O.T)؛ أي من خلال شركات استثمارية. وحصّة الأردن من تمويل الجزء الأول هي الثلثان، بفعل كونه الدولة التي ستحصل على الحصّة الأكبر من عوائد المشروع.
أثير الكثير من اللغط السياسي حول المشروع، لكون اسرائيل دولة مشاطئة للبحر الميت ويجب اشراكها فيه. وظهر كلام خيالي في الصحافة المصرية عن مؤامرة لخلق قناة بديلة لقناة السويس، مع أن المشروع هو انبوب يجب ضخ الماء فيه لمسافة طويلة قبل أن تبدأ الأرض بالانحدار تحت مستوى سطح البحر باتجاه البحر الميت. وبرزت مشكلة اخرى حول علاقة الجانب الفلسطيني؛ فإسرائيل لا تريد ان تقرّ سلفا بأن السلطة الفلسطينية هي طرف آخر مشاطئ للبحر الميت. وفي النهاية، سلّمت اسرائيل على مضض، بفعل اصرار الاردن والدول الداعمة للمشروع الذي يفترض ان يكون من دعائم السلام.
وفي المؤتمر الصحافي الذي عقدته الأطراف الثلاثة بعد اجتماعات الأمس، كان وزير البنية التحية الإسرائيلي، بنيامين بن أليعازر، يتحدث عن الشريكين الاردني والاسرائيلي ويتجنب تقريبا ذكر الجانب الفلسطيني، فأعاد الوزير الظافر التذكير والتأكيد على ان الجانب الفلسطيني شريك كامل على قدم المساواة مع بقية الأطراف، بوصفه مشاطئا للبحر الميت من الجانب الغربي. وقد كانت هذه معركة سياسية مهمّة بالنسبة للجانب الفلسطيني.
يمكن تسويق المشروع دوليا من خلال قضيّة السلام، لكن بالنسبة للأردن فالمشروع قضيّة حيوية ومصيرية بعيدا عن اي اعتبار آخر، وكل تأجيل هو خسارة؛ فالكلفة تتضاعف كل بضع سنوات. إذ انخفض سطح البحر الميت 24 مترا عن مستواه الأصلي، وفقد ثلث مساحته، وسيختفي نهائيا خلال عقود. والمشروع ينقذ البحر الميت ويعيده الى مساحته الأصلية خلال 25 عاما، ويديم صناعة البوتاس، ويوفر 570 مليون متر من المياه المحلاّة، ويشغّل محطّات توليد الطاقة الكهربائية، اضافة الى مشاريع سياحية من بينها بحيرة صناعية.
عدا عن الملاحظات السياسية، سمعنا باستمرار ملاحظات فنّية بعضها يكاد يجعل من المشروع كارثة بيئية وجيولوجية، والحقيقة اننا لم نجد في تلك الملاحظات ما يقنع؛ فهناك الكثير من الافتعال والطرح الذي يعوزه المنطق والدليل العلمي. والمشروع على كل حال سيبدأ بدراسة ليس للجدوى الاقتصادية فحسب، بل لكل الجوانب العلمية والفنّية والبيئية، وتقديم الأجوبة عن تساؤلات كثيرة، منها مثلا أن ماء البحر الميت كان يتغذّى من المياه الحلوة القادمة من نهر الأردن والجداول، فما هو أثر استبدالها بمياه البحر؟ وما اثر ذلك على نوعية الأملاح وصناعة البوتاس؟ وغير ذلك الكثير من الأسئلة.
المشروع يستحق مبدئيا كل الدعم، بانتظار نتائج الدراسة التي ستكلف 15 مليون دولار، وأطلقت أمس.







