من يتابع قناتي المنار والمستقبل يضع يده على قلبه. فالتصعيد الاعلامي بلغ مستويات خطيرة، والغضب وروح التحدّي يتصاعدان في الشارع السنّي، ومقابل العمائم الشيعية ظهرت العمائم السنّية بخطاب لا يقلّ بلاغة وتحديا. استمعت أمس الى شيخ يخطب في الجمهور المتحمّس في منطقة عكّار يعلن " لن نسمح بعراق آخر في لبنان" و" أبعدوا زبانيتكم عن السرايا والاّ أتينا بالسرايا". وكان هناك يافطة كتب عليها " يا سعد ياعينينا سلحنا والباقي علينا"، هذه عيّنة تقول كل شيء عن ردّة الفعل التي تتطور في الشارع السنّي على حملة حزب الله وحلفائه.
لا أحد من الأطراف في الميدان كان يريد أن يتطور الأمر الى انقسام وصراع طائفي، لكن هكذا يتطور الصراع السياسي في ظلّ تركيبة بطبيعتها طائفية. فحزب الله شاء أم أبى هو تشكيل شيعي، وتيار المستقبل تشكيل سنّي. وهما القوّتان الرئيسيتان في الطائفتين ويجدان نفسيهما على طرفي نقيض في مواقفهما. فالأول حليف معسكر التشدد الإيراني السوري (ولنزد الشيعي وفق التعابير الطائفية)، والثاني حليف معسكر الاعتدال العربي (السنّي وفق التعابير نفسها)، لكن في المعادلات الطائفية لا يعطي الخطاب المعادي لأميركا وإسرائيل شهادات لأحد. فالقوى الشيعية في العراق هي بالمقابل حليفة الاحتلال الأميركي، ولا يقول حزب الله اللبناني كلمة واحدة بحقّها وهو يسمّي حكومة السنيورة بحكومة فيلتمان (السفير الأميركي في لبنان).
الشارع السنّي لا يقبض هذه الاتهامات. فالقضيّة هي مصالح وموازين قوى، وأكثر من أي وقت مضى بات سلاح حزب الله يخيف بقية الطوائف؛ لأن الحقيقة الأخيرة هي أن طائفة واحدة مسلحة، والمواجهة الأخيرة مع اسرائيل كما يظهر الآن أريد بها تهيئة الأجواء لـ"ثورة مضادة" تنقلب على نتائج ما سمّي بـ" انتفاضة الاستقلال الثاني" التي صنعتها قوى الأغلبية السنّية الدرزية المسيحية.
لم يقلّ حزب الله كيف يمكن سلميا لأقلية برلمانية اسقاط حكومة وتشكيل أخرى توافق هواه؟ نخشى أن ترهيب الحكومة ودفعها للاستقالة بحصار السرايا واحتلال الشارع وشلّ الحياة العامّة يعتمد حسابات خاطئة من نفس نوع الحسابات التي كانت وراء العملية التي قال نصرالله أنه لم يتوقع أن تقود الى حرب.
السنيورة الآن ليس موظفا تكنوقراطيا يمكن ترهيبه ودفعه للفرار، فهو قائد ائتلاف من قوى لديها شارع مقابل، وهي مجروحة وغاضبة من سلسلة اغتيالات طالت رموزها، بلا انقطاع منذ ارغمت سورية على الانسحاب من لبنان، وترى في التحرك الحالي تماديا واستقواء غير مقبول.
الآن تجري مظاهرات تأييداً للحكومة في كل المناطق وتتحرك وفود حاشدة الى السرايا للدعم والتأييد، وغدا لن يقبلوا باحتكار المعارضة للساحة التي تحتضن ضريح الحريري. وقد سقط شاب أول من أمس برصاص مجهول، فانتقل المتظاهرون الى الأحياء المجاورة يكسّرون ويخربون. وهكذا من دون اعلان أو رغبة من أحد ينزلق لبنان الى صدام أهلي طائفي.
المؤسف أن حزب الله وحلفاءه وضعوا انفسهم في سياق يجعل تراجعهم هزيمة. في المقابل ما كان لهم أن يتوقعوا قبول الأكثرية بالهزيمة، فهم حتى الساعة لا يقبلون باستمرار الرئيس المفروض العماد لحود في السلطة. والحلّ هو نفسه ما كان ممكنا في البداية، بل يمكن توسيع الدائرة بمقترحات تشمل كل شيء وتمثل المحطّة الوطنية الثانية بعد الطائف، الحكومة ورئاسة الجمهورية والانتخابات وقانون الانتخابات جميعا في سلّة واحدة للحلّ. وقد قدم عمرو موسى في وساطته مقترحا من هذا النوع رفضته الأقلية.







